علي بن محمد البغدادي الماوردي

206

النكت والعيون تفسير الماوردى

أحدهما : أنه ظل الجبال . الثاني : أنه ما فيها من غار أو شرف . وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ يعني ثياب القطن والكتان والصوف . وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ يعني الدروع التي تقي البأس ، وهي الحرب . قال الزجاج : كل ما لبس من قميص ودروع فهو سربال . فإن قيل : فكيف قال : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً ولم يذكر السهل وقال تَقِيكُمُ الْحَرَّ ولم يذكر البرد ؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة : « 349 » أحدها : أن القوم كانوا أصحاب جبال ولم يكونوا أصحاب سهل ، وكانوا أهل حر ولم يكونوا أهل برد ، فذكر لهم نعمه عليهم مما هو مختص بهم ، قاله عطاء . الثاني : أنه اكتفى بذكر أحدهما عن ذكر الآخر ، إذ كان معلوما أن من اتخذ من الجبال أكنانا اتخذ من السهل ، والسرابيل التي تقي الحر تقي البرد ، قاله الفراء ، ومثله قول الشاعر : وما أدري إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يليني فكنى عن الشر ولم يذكره لأنه مدلول عليه . الثالث : أنه ذكر الجبال لأنه قدم ذكر السهل بقوله تعالى : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وذكر الحرّ دون البرد تحذيرا من حر جهنم وتوقيا لاستحقاقها بالكف عن المعاصي . كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ أي تؤمنون بالله إذا عرفتم نعمه عليكم . وقرأ ابن عباس « 350 » لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ بفتح التاء أي تسلمون من الضرر ، فاحتمل أن يكون عنى ضرر الحر والبرد واحتمل أن يكون ضرر القتال والقتل ، واحتمل أن يريد ضرر العذاب في الآخرة إن اعتبرتم وآمنتم . قوله عزّ وجل : يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها فيه خمسة تأويلات :

--> ( 349 ) هو المثقب العبدي ، الطبري ( 14 / 157 ) والقرطبي ( 10 / 180 ) والمفضليات وبقية البيت : الخير الذي أنا أبتغيه * أم الشر الذي هو يبتغيني ( 350 ) وهي قراءة سعيد بن جبير وعكرمة وأبي رجاء ، زاد المسير ( 4 / 478 ) .